في عيني أمي، عمرٌ كامل.
كنتُ دائمًا أنظرُ إلى الجميع، فلا أجدُ من يفهمني سوى أمي.
كانت أمي تُقيم في السهاد والوجد، وكأنَّ النوم قد هجر عينيها منذ زمن، غير أنَّ وجدها لم يكن إلا لأبنائها. كانت ترجو برهةً من السكينة، تستريح فيها من عناء الأيام وثقلها.
وحين كانت الدموع تنهمر على محيّاها، كانت عيناها تلمعان بحزنٍ عتيق، كأنهما تحملان وجع الأعوام كلِّها. ولم تكن تُظهر ضعفها، بل كانت تهمس في أذني بكلماتٍ دافئة، تُهدِّئ بها اضطرابي، وتُخفِّف عني ما كان يدور حولنا، وكأنها تُخفي أوجاعها لتزرع في قلبي الطمأنينة.
لقد كانت جميلةً جدًّا، وما زالت جميلةً في عيني.
كبرتْ، وعيناها تحملان حزنًا عتيقًا أثقلته الأعوام. وقد حفرت السنون آثارها حول عينيها، فارتسمت التجاعيد شاهدًا على ما مرَّ بها من تعبٍ ووجد.
أما عيناها العسليتان الفاتحتان، فكانتا تبعثان في كلِّ من ينظر إليهما شعورًا بأنَّ ما يدور حولها يُخاطبها، وكأنهما تُصغيان إلى همسات العالم كلِّه.
أمِّي، أتمنَّى أن أموتَ قبلكِ؛ لأنني لا أستطيعُ احتمالَ فراقكِ.
أنتِ الوحيدةُ التي تشعرين بما في قلبي من حزنٍ وفرح، وتدركين ما أعجز عن البوح به.





